ابن عجيبة

315

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

أو باطنا ، وقد لا يشعر ، وقد يسرى ذلك إلى عقبه ؛ فيصيبه ذلك الوبال ، كما أصاب أباه ، والعياذ باللّه من التعرض لأوليائه . ثم أمر بالهجرة من الأرض التي تكثر فيها الإذاية في الدين ، فقال : [ سورة العنكبوت ( 29 ) : الآيات 56 إلى 59 ] يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ ( 56 ) كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ ( 57 ) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ ( 58 ) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ( 59 ) يقول الحق جل جلاله : يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ ، فإذا لم يتيسر لكم إقامة دينكم في بلد ، فأخرجوا منها إلى أرض يتهيأ لكم فيها استقامة دينكم ، والبقاع تتفاوت في ذلك تفاوتا كبيرا ، والناس مختلفون ، فأهل الشرائع يطلبون البقاع التي يتيسر لهم فيها استقامة ظواهرهم ، كالمدن والقرى الكبار ، التي يكثر فيها العلم وأهله . وأهل الحقائق من الصوفية يطلبون البقاع التي تسلم فيها قلوبهم من العلائق والشواغل ، أينما وجدوها عمروها ، إن تهيأ لهم الاجتماع على ربهم . وعن سهل رضي اللّه عنه : إذا ظهرت المعاصي والبدع في أرض ، فأخرجوا منها إلى أرض المطيعين . وعن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « من فرّ بدينه من أرض ، إلى أرض ، وإن كان شبرا ، استوجب الجنة ، وكان رفيق إبراهيم ومحمد عليهما السلام » « 1 » . فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ أي : فخصونى بالعبادة . وإياي : مفعول لمحذوف ، ومفعول « اعبدوني » : الياء المحذوفة ، أي : فاعبدوا إياي ، فاعبدوني . والفاء : جواب الشرط ، محذوف ، إذ المعنى : إن أرضى واسعة ، فإن لم تخلصوا العبادة لي في أرض ، فاخلصوا لي في غيرها . ثم شجّع المهاجرين بقوله : كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ ، أي : واجدة مرارته وكربه ؛ لأنها إذا تيقنت بالموت ؛ سهل عليها مفارقة وطنها . ثُمَّ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ بالموت ، فتجازون على ما أسلفتم . ومن علم أن هذا عاقبته ؛ ينبغي أن يجتهد في الاستعداد له ، فإن لم يتهيأ في أرض فليهاجر منها . وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ ؛ لننزلنهم مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً ؛ علالى ، عالية ، وقرأ حمزة والكسائي : لنثوينهم ؛ لنقيمنهم ، من الثّوى ، وهو الإقامة ، وثوى : غير متعد ، فإذا تعدى ؛ بزيادة الهمزة ، لم

--> ( 1 ) قال الحافظ ابن حجر في الكافي الشاف : أخرجه الثعلبي من مرسل الحسن . انظر الكافي الشاف ( 3 / 461 ) .